الاقتصاد الهش والدوله الاكثر هشاشه
باحتلال البلاد من قبل الأستعمار البريطاني تمت إعادة صياغة الدولة على النمط الكولونيالي و حدثت توسعات جغرافية في حدود البلاد و تغيرت كثيرا و تم ضم مناطق كبيرة ، و هذا النمط الكولونيالي الحديث نسبيا غير مسار تطور البلاد ، وشكلت البنى الكولونيالية مستقبل البلاد حتى بعد نيل الأستقلال السياسي و ما زالت مستمرة و لها جذورها الراسخة و ارتباطاتها البينة في علاقات التبعية للإمبريالية . و هذا يجعل الأستقلال الكامل المهمة الأساسية الأولى للثورة السودانية ، و لا وجود للثورة أساسا أذا لم يكن هذا أول أهدافها .
المجتمع الكولونيالي يحتوي في داخله على تناقضات عديدة ، كما أنه يضم في احشائه تشكيلات ما قبل رأسمالية جنبا الى جنب مع التشكيلات الرأسمالية الحديثة ، و تطور هذا المجتمع محكوم بقوانين هي قوانين نمط الإنتاج الكولونيالي . وبالضرورة فهذه البنية تعيد إنتاج نفسها و هذا كله خاضع لهيمنة البنية الإمبريالية و سيطرتها .
الدولة الحديثة في السودان نشأت بفعل القوة الجبرية للاستعمار لتكون تحت الإدارة المباشرة للسلطة الكولونيالية وقد خلق هذا إشكالات أزمات كثيرة آثارها ممتدة حتى اللحظة التي نقف فيها . و قد جاء المستعمر بنظام كامل يدير حياة الناس وشؤونهم اليومية . من القوانين المدنية و الإدارات الحكومية والمؤسسات ....الخ هذا طبعا و قد كان التغيير الأكبر الانقلاب الذي حدث في علاقات الإنتاج ، بصورة أوضح الاستعمار غير في مجمل التركيبة الاجتماعية و لكن لم يكن التغيير كاملا بحيث انتقلت البلاد الى علاقات الرأسمالية و كذلك أبقيت علاقات من النظام القديم قائمة حتى الأن .
تكونت علاقات ضرورية بين الدولة الكولونيالية و المجتمعات المحلية و قامت على أساس أن الدولة سعت الى تغيير حياة الناس بما يتوافق مع مصالحها و تدخلت حتى في تراتبية العلاقات و في الأنظمة الثقافية و المعتقدات و قد سبق أن تكونت الرؤية الأنثربولوجية الاستعمارية للبلدان المستعمرة على أنها بلدان " متخلفة و بربرية " تبعها رؤية سياسية ترى أنه من الواجب على أنسان أوربا أن يحتل هذه البلدان و يحملها نحو " التطور الحداثة " الغربية و لو بالجبر . و قد تفاوتت استجابة أهل البلاد للعلاقة مع المستعمر .
رفض البريطانيون في البداية دفع اي أموال للاستثمار في السودان ما اقتضى فرض ضرائب واسعة و نقدية الذي بدوره أسهم في الانتقال الجاري في إحداث التراكم الرأسمالي الأستعماري من خلال دمج الرأسمال التجاري و الزراعي. في الزراعة حدث توسع و انتقال من الانتاج المعيشي الى الإنتاج بغرض البيع في الاسواق . و كان النشاط التجاري قائما منذ عهد الفونج الا أنه شهد تدهورا خلال فترة المهدية بسبب الصراعات مع الدول المجاورة و عادت العلاقات بعد الأحتلال و توسع النشاط التجاري أكثر و أرتبط أكثر بالسوق العالمية بتشجيع من الدولة .
التغيير الذي فرضته الدولة الكولونيالية على الأنسان السوداني كان عميقا و لقى رفضا واسعا و مقاومة شديدة لأنه لم يكن يتوافق مع نمط حياة الناس قبل الأستعمار و يهدد مصالحهم . و قد كانت المقاومة في البداية تتخذ طابعا قبليا و دينيا ، و كانت القبيلة هي التشكيل الاقتصادي و التنظيمي للمجتمع و بطبيعة الحال شكلت الدولة الكولونيالية تهديدا لوجود القبيلة و تسعي لتغيير السلطات التي تحكم المجتمع وتستبدل السلطات المحلية بموظفين أجانب يمثلون طبقات إمبريالية .
وضع الحكام الاستعماريين في حسبانهم أن الدين يمكن أن يشكل عاملا محفزا لحركة المقاومة كما حدث في الثورة المهدية و لهذا لجأوا الى أستخدام العديد من الزعامات الدينية لفرض هيمنتهم و من أوائل الزعامات الذين استجابوا كان السيد علي الميرغني و هو أول سوداني يحصل على لقب فارس من المملكة المتحدة . السودان بلد واسع التشكيل القبلي و الثقافي و به هويات متعددة و متنوعة كما أن المنظومات القبلية متناحرة في كثير من الأحيان ، و قد إستغل المستعمر هذه النقطة لمصلحته و استفاد منها استفادة كبيرة في تقسيم البلاد و شق الحركات الثورية و عزلها عن بعضها ؛ فلعبت هذه العوامل الأيديولوجية دورا مهما في تحديد المسارات التاريخية و ينبغي أن توضع في الاعتبار دائما .
لاحقا ستحدث مزيد من التغييرات في التركيبة الاجتماعية و في الفعل الثوري للبنية الاجتماعية و الممارسة السياسية للصراع الطبقي تبعا للتغير الأساسي في التركيبة الطبقية و علاقات هذه الطبقات من حيث الصراع و التبعية .
الاقتصاد الهش و الدولة الأكثر هشاشة :
ما الذي يجعل الاقتصاد السوداني بهذا القدر من الهشاشة بحيث لا يمر اي حدث داخلي او خارجي ألا و أهتز هزات تتفاوت في مقدارها ؟ بالرغم من ترابط العالم و بالرغم من فهم طبيعة تأثير الأوضاع الاجتماعية و السياسية على الأقتصاد من الواضح أن مقدار التأثر في الإقتصاد السوداني يكون " مبالغا " فيه . فما السبب وراء ذلك ؟ لا تقل لي تجار الأزمات ، فما أقصده هو شيء أكبر من هذا الحيز الأخلاقي الضيق في تناول القضية . ما سبب هذه الهشاشة في الأقتصاد و ما علاقتها بهشاشة الدولة ؟
ها نحن نشهد الفزع و الرعب يدب في الأسواق نشهد في ذات الحين مشهد تاريخي لهيكل الأقتصاد السوداني متهالكاً و قد نخرته الأزمات العميقة ، كما لم يكن في أي وقت سابق .
المميز في هذه اللحظة هي أنها أكثر اللحظات التي يتضح فيها شكل الأزمات البنيوية في هذا الاقتصاد و تثبت صحة كثير من التحليلات التي تخبرنا أن ما مررنا به و نمر به ليس مجرد أزمات عابرة سريعا ما تزول بل هو من طبيعة هذا الأقتصاد و من جوهره .
الدولة بكل اختصار هي تعبير عن علاقات الإنتاج في المجتمع و كذا هي تعبير عن علاقات السيطرة و الهيمنة في هذا المجتمع ، و بعيدا عن شعارات تكاتفنا و تماسكنا الزائفة و الرنانة ، فهذه الدولة هي تمثيل لعلاقات المجتمع الهشة و المتصارعة والتي إن حدث و شهدت تغيرات في لحظة من اللحظات لن تكون هذه التغيرات إلا تغيرات شكلية و لا تنبع من اتجاهات مختلفة عن بعضها اختلافا جذريا ، خذ مثلا سياسات معتز موسى و سياسيات البدوي و سياسات جبريل أليست هي هي نفسها
إن الحرب التي تدور رحاها الأن بين الجيش و الدعم السريع بما سببته من حالات نزوح ولجوء للملايين من أبناء شعبنا ، ألقت و ستلقي بآثار جمة على الإقتصاد السوداني ، وهو ما يتطلب دراسة علمية لفهم التغيرات التي يمكن القول بكل ثقة أنها تغيرات جذرية ستغير واقع الاقتصاد و البنية المادية بشكل عام و للأبد و بما لا يمكن التنبؤ به الأن .
لا أحد يمتلك حتى الأن البيانات الكافية اللازمة لإجراء بحث حول الموضوع و الأسباب وراء ذلك كثيرة و معروفة لكل باحث في الحقل العام السوداني ، و لكن هذا لا يمكن أن يكون مانعا من فعل ما يجب فعله . و من واجب الباحثين العمل على ابتداع أدوات للبحث والاستقصاء توفر لهم البيانات المطلوبة في ظل هذه الظروف المعقدة .
لقد سبق و نبه العديد من الخبراء الاقتصاديين لخطورة مركزية الاقتصاد السوداني ، و تركز معظم الخدمات و أشكال الإنتاج الحديث في العاصمة و إهمال بقية الأقاليم و هي مشكلة جذرية تجلت بشكل كارثي إبان الحرب الأخيرة و بصورة تدعو لأن يكون هناك موقف حاسم من هذا الإتجاه في التفكير الاقتصادي ، و لكن و لأسباب عديدة لم يحدث أي تغيير في هذا الإتجاه و ظلت هذه هي وجهة الدولة .
المسألة الاقتصادية :
إن بلادنا وبما فيها من إمكانيات ما زالت حبيسة لوضع متخلف لأنها لم تحقق استقلالها الاقتصادي و لم تنجز مهام ما بعد نيل الاستقلال السياسي حتى الأن و لكي تحقق أمتنا تطورها لابد أن تهدم علاقات التبعية و الخضوع الاقتصادي و هذا ما يجري الصراع حوله الآن في كل أنحاء البلاد فالصراع في الحقل الاقتصادي في هذه المرحلة ، يجب أن نعيد بناء علاقاتنا مع العالم بصورة أكثر تكافؤ و عدالة دون وصاية من المؤسسات التي أسهمت وبشكل مباشر في وضعنا الحالي .
لا يعقل أن تستمر مطالبة السودان و فقراءة بسداد ديون نخبة فاسدة كان الدائنون على علم بفسادها و على علم بطريقة وصولها إلى السلطة لحظة اقرضوها ، و يجب ان نخوض هذه المعركة قانونيا وسياسيا حتى نهايتها و توجد تجارب لبلدان أخرى في ظروف مشابهة يمكننا أن نستفيد منها و نستلهمها .
إصلاح النظام المصرفي يحتاج إلى رؤية جذرية في الفساد في هذا القطاع متجذر و هو قطاع يساهم بشكل كبير في الأضرار باقتصادنا لمصلحة قلة قليلة ، و من المسائل التي تحتاج الى مراجعة العلاقة مع رأس المال الأجنبي وعلى وجه التحديد الموقف من المشاريع و الشراكات المشبوهة في عهد المخلوع و اللجنة الأمنية .
ظلت العلاقات التي تحكم المسألة الزراعية لبلادنا غير عادلة منذ مجيء الاستعمار كما لم تعمل الانظمة الوطنية على تعديل هذه العلاقات بل زادت الاوضاع سوءا حتى أصبحت بلادنا بكل ما لها من مساحات زراعية واسعة كانت سببا في أن يوصف السودان بسلة غذاء العالم في وقت من الاوقات والان نجد ان اكثر من 10 ملايين انسان سوداني مهددين بالمجاعة ، بالطبع تحتاج المسألة الزراعية الى صياغة استراتيجية جديد و الى معالجات طارئة تستهدف سد الحاجات الملحة و العاجلة ، المسألة أوسع من مجرد النظر في مشروع الجزيرة لوحده و ان كنا ننتظر من لجان مقاومة ود مدني الملحق الذي وعدتنا به بخصوص مشروع الجزيرة.



تعليقات
إرسال تعليق