عمر خيري/ جورج إدوارد الفنان الذي حظيت البلدان بسيرته، و غاب عن ذاكرة الوطن الذي شكل رؤيته الفنية..


عمر خيري/ جورج إدوارد
الفنان الذي حظيت البلدان بسيرته، و غاب عن ذاكرة الوطن الذي شكل رؤيته الفنية..

إن بيئة السودان و تقلباته الثقافية يداً بيد مع توالي الحكومات التي مالت لأفكار دون سواها، محت آثار فنٍ سوداني معتق.. كان لنا حق الفخر به، و دراسته، و تحليله؛ لترنو إليه الأجيال القادمة من الفنانين بمعية النقاد و العامة.

عمر خيري/جورج إدوارد تشكلي سوداني، ولد في مدينة أمدرمان عام ١٩٣٩م ارتوى من نيلها.. جال في أزقتها و تأمل صوفيتها، فنانيها، و مشرديها.. عاش عمراً فنياً يخط فيه بقلم الحبر الأزرق عن عوالم يراها و لا نراها، أماكن يعرفها و لا نعرفها.



تخرج من ثانوية الفنون -و هي مدرسة ثانوية فنية تماثل المدارس الثانوية الصناعية و الزراعية التي كانت تتبع للتعليم الفني بوزارة التربية- و كان يسكن في ميز كلية الفنون الجميلة و التطبيقية بالمقرن. لم يفارق كلية الفنون و ظل يتواجد بها يومياً و خاصة بقسم التلوين؛ حيث لم يكن وجوده مستنكراً من قبل هيئة التدريس أو الإدارة. و كان الطلاب في بعض الأحيان يعطونه بعض مواد الرسم كالألوان و أقلام الشيني و الكانفس بدواعي العطف و الإلفة.

و حين تولى الفنان المبدع (ابراهيم الصلحي) منصب وكيل وزارة الثقافة، قام بتفريغ عمر خيري كفنان تشكيلي يتقاضى أجراً. و هو و كما يقال (أول و آخر تفرغ لرسام سوداني) كما تم تعينه في المجلس القومي لرعاية الفنون و زينت أعماله جدران المسرح حينها.



تعمقت أعماله في التقاط ملامح الشارع السوداني، و التركيز على خصائص المدن، و تفاصيل الأزياء التقليدية، و الوقوف على صهوة الثقافة السودانية المتفردة و التي انتعشت كسائر الثقافات بعد الحرب العالمية الثانية. كما حازت أوروبا أيضاً على اهتمامه و تفحصه الدائم و حتى تأطيره و دمجه للثقافتين سوياً.




يروى عن الفنان عمر خيري/جورج إدوارد أنه اعتاد الذهاب إلى المنطقة الصناعية باحثاً عن بقايا الاسبلاج و الكانفس عند حاويات القمامة. حيث امتلك عيناً فنيةً بصيرةً و يداً قصيرة..
و رغم ذلك و بقلم حبره الأوحد غزا بلداناً كثر .. مبعثراً لوحاته في معارضها، ليلاقي انبهاراً كانت بلاده أولى بمنحه إياه.
توفيت والدته عام ١٩٦٣ .. و التي قامت بدوم الأم و الأب بالنسبة له جراء وفاة والده المبكرة. كان فقداً جللاً أثقل كاهله مما نتج عنه الانهيار العصبي الذي انتقل على إثره إلى القاهرة لتلقي العلاج، و عاد السودان في السبعينات ك(جورج ادوارد).

في عام ١٩٧٢ كتب عمر خيري (سيرة جورج سكنوكونر) و منها أضحى يوقع لوحاته بهذا الاسم.




في عام 1988 أقام المجلس القومي للآداب و الفنون معرضاً فنياً ضم العديد من الفنانين السودانيين من بينهم معرض الفنان عمر خيري/جورج إدوارد و الذي كان جالساً يخط بقلم الحبر على ورقته حين باغته الفنان التشكيلي سيف اللعوتة بسؤال استقاه من تعليقات الزوار المكتوبة (من أنت عمر خيري أم جورج إدوارد؟) 
السؤال الذي مر على عمر خيري/جورج إدوارد خفيفاً كالنسيم، حتى أنه لم يجب.. إلا أن تكرر السؤال على أذنيه مرة أخرى.. 
فرد بهدوء و سكينة قائلاً (جورج إدوارد فنان عظيم).

و يعتبر الفنان من (مدرسة الخرطوم)، مدرسة فنية ظهرت في الخمسينيات، تجمع بين عنصري العروبة و الافريقانية، ملتزمة بالبحث و التنقيب في التراث المحلي مستندة على المنهجية الأكاديمية في عملية توليف المفردات الفنية و العلامات المحلية لاستحداث تيار فني ذو طابع سوداني خالص.
و قد اثرت بصمة رواد مدرسة الخرطوم على الأجيال التي تلتها رغم النقد الذي تعرضت له، و منهم ابراهيم الصلحي و أحمد محمد شبرين، عثمان وقيع الله، بسطاوي بغدادي، محمد عمر خليل، أحمد حامد العربي، أحمد عبد العال و غيرهم.



و منذ تخرج الدفعة الأولى من كلية الفنون الجميلة في الأربعينيات (جيل الرواد) كان اهتمامهم منصباً على الجانب الوطني، قضايا الهوية و التراث. و انعشت المدرسة بمعية كافة الفنون فترة الستينات و السبعينيات مستندة على نسمات الحرية التي غشيت الشعب وقتها، فجاءت البعثات المختلفة و انخرط الفنانين المحليين بالدوليين و زاد الإنتاج الفني.
و بعد تلتها مدارس أخرى تتفق معها حيناً و تخالفها أحياناً أخر.
هذه الرحلة السودانية الخالصة في مدارس الفن التشكيلي تستحق الاهتمام و التوثيق، و التحليل و النقد..
أعمال متعددة و متقنة مثل أعمال عمر خيري/جورج إدوارد بسودانيتها الخالصة و تفاصيلها الآسرة و منظورها للعالم الخارجي و تأثرها به كان الأجدر أن تألفها أعيننا، و يزيع سيطها بيننا و تزيّن شوارع الخرطوم و مسارحها و مبانيها الثقافية على أقل تقدير.. و أن تحظى بالدراسة و التفكيك و محاولات التنظير و النقد. بل و حتى الاستنكار في بعض الأحيان؛ في سبيل أن يحدث ذلك، لابد من نفض الغبار عنها.

حيث تم إنزال لوحات الفنان من على جدران المسرح (لإعادة طلائه)!
توفي عمر خيري/جورج إدوارد عام ١٩٩٩ مخلفاً حوالي (٧٥٠) عملاً فنياً.





هذه اللوحات العظيمة و لقرابة الخمسين عاماً لم تظهر بشكل كامل و واضح في الخريطة الثقافية السودانية.. و لم تلق اهتماماً من مؤسسات الدولة المعنية بالثقافة و الفنون، و لا نستطيع حتى الجزم بمكانها الحالي!

إن فنان تشكيلي عبقري مثله تستعصي الإحاطة به في مقال واحد، و بالطبع يكتنفه بعض الغموض و تحيط به أسئلة لم نستطع بعد إجابتها. و ما هذا إلا بمدخل نخط عبره خطاً أحمراً تحت اسمه، و سخطاً واسعاً تجاه تعاملنا مع سيرته و إرثه.. مؤسسات و أفراد.
و نأمله محفزاً لمزيد من البحث، و التنقيب و طرح الأسئلة. و باباً يتسلل عبره هذا الاسم إلى نقاشاتنا اليومية، و تفضيلاتنا الفنية، و الألغاز التي تجول بمخيلتنا قبيل النوم.

من هو عمر خيري/جورج إدوارد؟

بقلم أريج محمد
مصادر:

-الفنان التشكيلي: خلف الله عبود الشريف
-ثلاثية أمدرمان - سامي الصاوي/ عمر خيري و أمدرمان الخيال
-مؤسسة الشارقة للفنون

تعليقات

المشاركات الشائعة