طوعاً أو كرهاً.. الغربة و الحنين في الوجدان السوداني
طوعاً أو كرهاً..
الغربة و الحنين في الوجدان السوداني
منذ القدم طالت أذرع الغربة السودانيين و أبعدتهم عن ديارهم، أهاليهم و أحبابهم، سعياً نحو الستر و يسر الحال و المستقبل الأفضل.
و لغةً:
غُربة: (اسم) مصدر (غَرُبَ)
"طَالَتْ غُرْبَتُهُ : طَالَ بُعْدُهُ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ
الغُرْبَةُ:النَّوى والبُعدُ"
و اصطلاحاً هي البعد عن الوطن، وغالباً تشير إلى المشاعر السلبية المرافقة للانقطاع عن الأهل والأجواء المعتادة.
و يتغرّب الإنسان من أجل الدراسة أو الكسب المادي و يطمح للوصول إلى مستوى معيشي مرموق، و قد يغترب بشكل قسري في حالات الحروب وانعدام الاستقرار الأمني والسياسي.
قصد السودانيون و السودانيات بلاداً مختلفة، في وجه الصقيع تارةً و خط الإستواء تارةً أخرى؛ من أجل واقعٍ أفضل لهم و لأسرهم. و كوتهم نيران المنافي أيضاً إثر التضييق السياسي، و الخوف من بطش الأجهزة الأمنية و انتهاكات الحكومات التي توالت على حكم البلاد.
حتى اشتعلت نار الحرب اللعينة في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، و شرّدت من استمسك بالبلاد رغم الصعوبات و الأزمات السابقة، دون خيار أو رضا.
فامتزجت فاجعة الحرب، الفقد و الخسارات، مع التهجير القسري و الحنين إلى الوطن!
وعلى مر التاريخ نظم السودانيون أشعاراً يملؤها الحنين، و تغلب عليها الظروف؛ حنين لحياة سابقة تبدو كحلم قصير، للبيت (المنزل الذي تغمره الإلفة) للشوارع و الأزقة المحفورة بالذاكرة، و للأهل و الأحبة.
و الغُربة عندما يضطر أحدنا لمغادرة وطنه و أهله، حاملاً ذاته و ذكرياته في حقيبة وزنها ٣٠ كيلو، و عندما نضطر لمشاهدة أحد أحبابنا يخبو تحت ظلال الغربة.
و يقول الشاعر و الموسيقار (ناصر عبد العزيز) شاعر أغنية (شايل جراح) التي تغنى بها الفنان محمود عبد العزيز:
"الأغنية بدأت معي كخاطرة وأنا بعيد عن الوطن أقضي شعائر العمرة، ونحن كسودانيين نحب السودان ولا نشعر بذلك إلا ونحن خارجه فتدفقت (شايل جراح)."
"بعدتني عنك غربتي
و في خيالي ديمة أشوف عينيك
و أهاتي بيك
و أحن إليك .."
و يُحكي عن الفنان الراحل إبراهيم عوض إنه في أحد المرات هم بالسفر إلى مدينة ود مدني و كانت هناك مشقة كبيرة فالسفر، وكانت أغنية (الحب و الظروف/ قلنا ما ممكن تسافر) للفنان الراحل (محمد الأمين) تخرج من أستريو البص مداعبةً مشاعر المسافرين..
و حين وصل محمد الأمين إلى المقطع الخالد:
"لو تسافر دون رضانا
بنشقى نحن الدهر كله
ما بنضوق في الدنيا متعة
و كل زول غيرك نملّه
أقل حاجة تخلي سفرك
حتى لو أسبوع أقله
و إنت عارف نحن بعدك
للصباح دايماً نساهر.."
لم يتمالك الفنان إبراهيم عوض نفسه و "طقطق" للسائق، و ترجل عائداً لأهله.
كلنا اختبرنا ذات الذكرى المُرة، حين استيقظنا على خبر رحيل أحد الأحباب.. و شعرنا بالقصة التي تقبض الصدر و تصعّب التنفس، و لم تعد الصباحات لسابق عهدها.
يعبر عنّا مدخل قصيدة (إلى مسافرة):
(قلبي يا مكتول كمد!)
و يحكى أن بعد مرور أكثر من عام وقد ظل الشعب السوداني يردد هذا اللحن الجميل و يتغنى به الهواة في كل مكان، كان الفنان الراحل مغني و ملحن الأغنية (حمد الريح) مشاركاً بالغناء في مناسبة بودنوباوي وبعد إنتهاء الحفل و عند خروجه إلى عربته جاءه شاب صغير وجميل المظهر، قائلاً بكل خجل بعد السلام:
"أنا يا أستاذ (عثمان خالد) شاعر ألى مسافرة".
فاندهش حمد الريح جداً وقال له ا"إنت وين ياخ ونحن نبحث عنك سنة كاملة للتعرف عليك ولم نحصل علي عنوانك . ولماذا لم تقابلني سواء في مكتبة الجامعة او بنادي الفنانين للتعرف عليك"
حيث كان حقه بالإذاعة و التلفزيون يحفظ تحت (مجهول) طوال هذه الفترة، و حتى الآن لا ينال نصيبه من المجد في منتوجه الفني العظيم:
"يا حليلو .. قال سايب البلد
يا حليلو .. كيفن يبتعد
وكيفن نسيبو يروح بعيد
في رحلة مجهولة الأمد؟"
و البلابل عبرّن عن الاستعجال و اللهفة على لقاء الحبيب البعيد، فكانت:
"ياقطار الشوق حبيبنا هناك يحسب في مسافاتك
و لو تعرف غلاوة الريد كنت نسيت محطاتك
و كان بدرت في الميعاد و كان قللت ساعاتك
و كان حنيت علي مرة و كان حركت عجلاتك.."
و في أحد الحوارات مع الشاعر (علي محجوب) صاحب قصيدة (قطار الشوق) يقول:
"قطار الشوق بطاقة حب لعطبرة.. ولولا عطبرة لما كانت الأغنية، وهذه القصيدة ما كتب لها النجاح إلا لارتباطها بعطبرة.. فهذه المدينة تستحق الكثير، و «قطار الشوق» محاولة لرد الجميل. والقصيدة كتبت في ظروف الدراسة الثانوية والبعد عن الأهل ..هي بعض الحنين للمدينة وكل الشوق لإنسانها.
و بابكر الذكار أول من تغنى بأغنية قطار الشوق في 1974م وفازت بالمركز الأول في مهرجان الأغنية."
و تغنى الفنان الراحل المقيم (مصطفى سيد أحمد) برائعة الشاعر (قاسم أبو زيد):
"سافِر..
مطارات الوداع ضجّت قدامك وراك يا الراحل”
و المسافر يقطف في طريقه كل الأمسيات الهادئة، و الونسات الحميمة و لمعات العيون.. فماذا ترك؟
و يصل الحنين و الحزن ذروته في الأعياد و المناسبات الاجتماعية و الدينية التي كانت تجمع القريب و البعيد.
و كتب (علي شبيكة) رائعته طوّل مفارق حيّو في صديقه البروفسور (مبارك حسن خليفة) الأديب و الفنان و الشيوعي و الأستاذ، عندما هاجر إلى دبي في عام ٧٤ بعد تعرضه لعدة اعتقالات:
"حرام عليك يا زمان تحرم قلوبنا جديدا
و عيونا يوم العيد ما تلقى نورها و عيدا.."
و تغنى الخليل:
"كان مع الأحباب نجمة شارق
ماله والافلاك في الظلام!"
حيث (الأسرة ممتدة و حداك جيران لُطاف بيجاي و جاي..
جار المسيحي سكن إمام
إلفة و مودة و قرقراب
و الناس قُراب)
كما نظم الشاعر القامة محجوب شريف..
"فاللمّة" بالنسبة للإنسان السوداني ليست رفاهية، بل هي ضرورة ملحة باختلاف اتساع الدوائر الإجتماعية و ضيقها، نشأنا على مفهوم (النفير) في كافة جوانب الحياة.. مَن منا لا يستصحب ذكرى (قعدات ستات الشاي)؟ أو لمّات الجامعة؟ أو (فطور يوم الجمعة في البيت الكبير)؟
و في الغربة تصيبنا الوحدة -حتى دون أن ندرك- ثم الإنطفاء.
و تغنى الراحل (أحمد المصطفى) في سياق قريب بـ (سفري السبب لي أذاي)، من كتابات الشاعر (حسن عوض أبوالعلا) و مناسبة القصيدة هي إصابة ظهره في حوض السباحة بالعاصمة المصرية القاهرة، مما تسبب له بالشلل الذي خلّف آثاراً صاحبته حتى وفاته.
و هو في جانب آخر اختبره الشاعر بمعية نفر كبير من السودانيين و السودانيات، و هو الوحش المسمى ب"مرض الغُربة":
"وحيد سهران برايا
أنيس دمعي و بكايا
آه يا كناري و آه يا قماري
طيري لي تعالي
وحيد ليلي و نهاري"
فالمجتمع السوداني بمختلف مكوناته و حواضنه الاجتماعية لا يميل إلى الفردانية، بل تشتد فيه الروابط الأسرية و القبلية و المهنية، فعادةً ما يكون المريض هو الشغل الشاغل لعائلته و جيرانه و أصدقائه طوال فترة المرض و الإعياء.. و هو -و رغم الملاحظات و التحفظات- جزء من الدعم النفسي الذي نشأنا على منحه و استقباله منذ الصغر.
و يقول (الشاعر كامل عبد الماجد):
"الفنان (سيد خليفة) تغنى بقصيدة لشاعر مصري اسمه (إبراهيم رجب) عاش في الخرطوم، و في اعتقادي أنه كان ضمن البعثة التعليمية المصرية، وقد نظم قصيدة (بلد أحبابي)
"يا وطني،
يا بلد أحبابي
في وجودي أحبك و غيابي
يا الخرطوم،
يالعندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك في أي مكان.."
فالسودان بلدنا و بلد أحبابنا، و يالعظمة الرقعة الجغرافية التي تتسع لكل هذا القُرب!
و تتربع على عرش الأغاني التي تهيج القلب و الدمع (بحر المودة)، و هي رسالة (محمد جبارة) لأمه بعد اغترابه قائلاً:
“شفتي الزمن يا يمة ساقني بعيد خلاص
جرعني كاس
اتعذبت واتدردرت يا يمة وريني الخلاص
ولدك في دروب الشوق كتل
محروم من المحبة وراك همل”
*ولا يُنصح بها للمغتربين قسراً أو ارتضاءً.
و تحدث بعض الشعراء عن الظروف التي تجبرهم على الغربة، فالغربة مرادف للوحشة و الوحدة، مثل (مليت الغربة) ل(محمد سعيد دفع الله)التي يقول مطلعها:
“مليت من الغربة آعلي ياولدي يا إيدي اليمين
داير الرجوع بس كيف يكون!
و تفكيري فيهو أنا من متين
كل ما أقول اصبر شوي باكر تكون الحالة زين
ألقى الظروف ياها الظروف بل زايدة سوء بحلف يمين”
و جاراه (وداعة محمد طلب):
"شن الغربة وشن الهجرة!
أتاري الغربة يا مسكين صعيبة وجمرة حمرة
ومصيرك انت يا مسكين تضوق المغسة والمرة
وتضوق القمدة والنهرة”
و يأسر قلوبنا (عبد المنعم عبد الحي) في رائعته:
“نار البعد والغربة
شوق لأهلي والصحبة
شوق لكل جميل في الحي.."
فالسودان هو الوطن الأول و الأخير..
نألف هواءه و طرقاته ذات الحُفر الواسعة.
في الحقيقة .. لم نألف شيئاً منذ ساعة الصفر، حيث غدت كل الطرق مظلمة و نائية، و بعيدة جداً عن المحطات التي نود وصالها، كل الطرق تؤدي إلى روما، و لكننا نتوق للعودة إلى الخرطوم.
"يا أحلى من حبيت.. يا سمحة يا زينة
كل الشوارع بيت.. في السمحة و الشينة
الفيها إتربيت.. ظلّانا دوم نيمها
و هتفتا فيا غنيت .. لشوارعها و نيلها
يا سمحة السمحات .. يا باهية يا خرطوم"
و للسودان،
بعد التحية و السلام،
و كما قال الخليل:
"ما هو عارف قدمه المفارق..
يا محط آمالي السلام.."
بقلم: أريج محمد


تعليقات
إرسال تعليق