(وطن تجري من حوله الأشعار) مدخل إلى حركة المقاومة الشِعرية السودانية الحديثة
(وطن تجري من حوله الأشعار)
مدخل إلى حركة المقاومة الشِعرية السودانية الحديثة
إن الكلمات العذبة الموزونة و المدوزنة و الأشعار لطالما كانت من صميم السودانين.. في الأفراح و الأتراح، و السلم و الحرب، ينظمون القوافي ساعات الظهيرة و يخطون تاريخ الأمة و معتقداتها و تقاليدها و أسسها.
و لما له من معزة جمّة في فؤاد الشعب السوداني، كان الوطن لبنة البيت الشعري منذ البدء.. و لطالما كانت أحلام السودانيين بصحبة مآسيهم تنسكب على صفحات التاريخ بأقلام الشعراء.
فنجد أن أغلب الأحداث السياسية، الانتصارات و الصعوبات و المخاوف أحدثت صدى واسعاً في الأدب السوداني، و مما زاده بريقاً و أكسبه عنفواناً فوق القوة هو تسلط الحكومات التي توالت على البلاد سواء كانت دكتاتوريات عسكرية أم ديكتاتوريات ترتدي الزي المدني. فضيقت الخناق على المعارضين و أنشطتهم، ندواتهم و فعاليتهم السياسية، نواديهم، قاعاتهم، اتحاداتهم و دورهم الحزبية. فكانت الكلمة جريمة، و القلم دليل و علم البلاد من المعروضات.
فأنتجنا ما يمكن تسميته بالأدب السياسي أو المقاوم، بأنواعه المختلفة في العموم، و أشعاره بشكل خاص. و ما يندرج تحتها من أناشيد و هتافات، أو كولينق “calling” كما يسمى في أروقة الجامعات.
الأمر الذي أفضى بالشعر العذب المنساب ليصير فعلاً ثورياً مقاوماً يتطلب جسارة و قوة. و أصبح موقفاً سياسياً صلداً لما تتبعه من عواقب وخيمة.
تقول مريم و هي طالبة في إحدى الجامعات الحكومية السودانية: "منذ ظهور نتيجة القبول، سمعت توصيات عدة بتجنب العمل السياسي، بل العمل العام جملةً و تفصيلاً، لما لحق به من تخوفات و مآلات نعلمها جميعاً. وما زلت أذكر يومها خطواتي بشارع (المين) حيث يقبع أحد الكراسي شامخاً عند "الكروس"، وفي حين غفلة اندفع عدة شبان في اتجاهات مختلفة يلقون بعض الأشعار عن بناء دولة جديدة، ودحر الظلم، إسقاط النظام و الثورة المرتقبة!
لم أعِ ما العمل حينها.. حيث تداخلت أصواتهم و علا هتافهم و زاد خوفي.. لم أعرف لماذا تحديداً لكنني أدركت بوجود (رد فعل) لتلك الأشعار."
شهدنا محاربة الشعراء و البطش بهم بطرقٍ عدة، عندما عاد محمد الحسن سالم حميد من إحدى جولاته الخارجية أراد رفاقه من الشعراء الاحتفاء به بإقامة (قَعْدة) بإحدى الدور الثقافية، و لكن هيهات.. حيث مُنِع قيامها من قبل جهاز الأمن و المخابرات!
و قضى شاعرنا الحبيب الأستاذ محجوب شريف نصف عمره بين المعتقلات -بعضها وقت الدكتاتورية العسكرية و الآخر وقت ما سُمي بالحكم المدني- و تسببت رطوبة المعتقلات و بيوت الأشباح في التليف الذي أصابه و كان سبباً لوفاته!
قصائدُ تُمنع من النشر، و اتحادات تُصادَر، أندية ثقافية تُغلق، و مطاردات و اعتقالات و نفي.. و التهمة: شاعر.
عندما برق نجم ثورة ديسمبر المجيدة، و مع لغة الخطاب المنمقة و الموزونة التي صاحبتها، استطرد وجدان الشعب السوداني أشعاراً قديمة تغنت للوطن و حلمت به، شعراء سودانيين بشكل خاص، و من الأقطار العربية المختلة بشكل أعم. فتزينت البيانات السياسية بالمقدمات الشعرية الرزينة التي تتماشى مع فحواها، في انتصاراتها و انتكاساتها و شدتها و لينها.
وجدت لكل حال، حلم و طموح، ما يناسبه من الأشعار، و لكل مناسبة ما يصفها.
فسار هاشم صديق بأشعاره في صينية القندول، و صاغت ست الدار جوابها عند المؤسسة، و رافقنا محجوب شريف خطوة بخطوة حالمين بوطن خيّر ديموقراطي، و طرح أزهري محمد علي السؤال الأهم على ألسنتنا في شارع الأربعين (دم الشهيد بي كم ولا السؤال ممنوع؟)
كما لمع بعض الشعراء الشباب الذين نجحوا في رسم أحلام جيل الثورة لكونهم من صميمه، فأنتجوا قصائداً لامست قلب الفكرة و عذوبة الحلم، فصارت تهتف ف الشوارع و المواكب و في وجه الرصاص.
"قصائدنا مع الفلاح في الحقل هي القندول
مع المهدي في شيكان صدى طبلِ
وألمحها مع ألماظنا المقتول
و أسمعها كصوت خليل
و زفرات من الفرسان حين أقول:
قصائدنا لأجل الغاية العُليا كتبناها"
لشاعرها بشير أبو سن
و منهم كذلك الشاعر الفذ معد شيخون و الذي أخبرنا أن أول انتاجاته الأدبية كتبها بتاريخ ٢٧ ديسمبر ٢٠١٨، أي بعد يومين فقط من الموكب المركزي الأول في الخرطوم -بتاريخ ٢٥ ديسمبر ٢٠١٨- والذي دعا إليه تجمع المهنيين وقتها.
و يرى معد أن قلم الشاعر يكتب لما يميل إليه وجدانه و يسكن فؤاده، و يشغل فكره.. سواء كانت فتاة جميلة، لحظة سرور أم الوطن المشتهى.. و إنما كثرة تناول الوطن في الشعر السوداني منذ فجر التاريخ ليست إلا انعكاساً وترجمةً لما يجول بخاطر السودانيين و ما يحلمون به.
يقول معد شيخون:"إنني من هذا الجيل، بذات الأحلام و المطالب و الآمال، و منذ اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، أخط دوافعي للبقاء في أرض الاعتصام و حمايته على هيئة قصائد."
و إن للقصيدة مرتكزات أساسية لابد أن تستند إليها، و هي:
-اللغة، الصياغة و الحبكة.
و هو العامل الفني المطلوب للأعمال الأدبية بشكل عام.
-إلقاء جيد.
و هو ما يطفي معانٍ عدة فوق المعاني المكتوبة.
-التوقيت.
و هو حين يكون محرك القصيدة واقعاً معيش، و حين يكون التركيز منصباً بشكل جماعي على الموضوع المتناوَل.
و هو ما يضرب عليه معد المثل بقصيدته التي نشرها لأول مرة بتاريخ ٢٨ ديسمبر ٢٠١٨ و لم يأبه لها الكثير رغم عذوبتها و دقة تصويب كلماتها، و لكن عندما ألقاها من أرض الاعتصام لآقت رواجاً و اهتماماً فاجأ شاعرها.
حيث أنها وصفت حال الأمة وقتها، و خرجت من كونها حول "معد الشاب المحب لوطنه" لتعبر عن كافة الشابات و الشباب المرابطين بأرض الاعتصام؛ لأنها حوت أحلام هذا الجيل.
بالإضافة لكل ما سبق فإن القصائد -و كسائر الأعمال الأدبية- بجانب عذوبتها و شحذها للهمم، فهي أيضاً توثق لتاريخ الأمة، و ليست فقط الأحداث، بل و تأثيرها على الناس، و تحريكها لعواطفهم و أفكارهم.
فنحن ذاكرنا صفحات التاريخ جيداً.. و قرأنا عن ثورات السودان السابقة، و حللنا انتصاراتها و كبواتها.. و لكننا و عند مطالعة قصيدة (الملحمة) للشاعر الكبير هاشم صديق فإننا نرى أنفسنا بين الصفوف المقاومة وقتها، و نشعر بالعزيمة في ساحة القصر، و نستشعر الخيانة حينما تم فتح النار على صدور المتظاهرين العُزل.
و كان القرشي شهيدنا الأول.. لم نرافقه في شوارع السودان الحالمة بواقعٍ أفضل، لكننا نستشعر قربه منا عبر ما خُطَّ عنه بأقلام شعراء جيله.
و هذه القصيدة العظيمة لشاعرها هاشم صديق كتبها بعمر السابعة عشر عاماً.. حيث كان أحد الفتية الصغار الذين يعبرون المواكب باحثين عن وطن حدثهم عنه الآخرون. و هو الآخر باغته انتشار القصيدة و رواجها عندما قدمها القامة محمد الأمين على عتبة المسرح القومي في الذكرى الأولى لثورة أكتوبر.
و في ذات اليوم غنى (وردي) أكتوبر الأخضر.. و التي صدحنا بها مجدداً في ثورة ديسمبر بعد أجيال.
تحدث الأستاذ محمد طه القدال في أحد لقاءاته عن مفهوم الشاعر، و كونه مخالفاً للسلطة، معللاً بأن الشاعر يستشعر حريته أولاً قبل كل شيء، و لذلك يتمرد على السائد و العادي و المتكرر.. و يؤمن بوطنه و شعبه إيماناً لا شريك له، و يحمل هموهم و أحلامهم، و يشحذ هممهم و يعمل على إلقاء الضوء على القضايا المهمة و إرساء الوعي و تعظيم قيم السلام و العدالة و الحرية و ما شابهها من المبادئ السامية.
إن اختلاف الحركة الشعرية بين ثورة ديسمبر المجيدة و ما سبقها من ثورات و انتفاضات شعبية، أن الشعر كان يأتي عادةً بعد الثورة؛ يمجدها و يعلي من شأنها. لكن الشعر مع ثورة ديسمبر جاء قبلها و أسس لها، و نُظِم أثنائها و رافقها خطوة بخطوة، و بعد نجاحها كُتب تأسيساً لمطالبها و تشديداً على أهمية قضاياها.
يقول الشاعر أزهري محمد علي: "الشعر أصلاً يأتي من الناس.. و من الشاغل اليومي و الهم اليومي، و من المفردة و من لغة التخاطب اليومي..
ويقول متحدثاً عن ثورة ديسمبر: إن جسارة و شجاعة جيل الثورة و إن فاجأ الآخرين، فلم يخذل الشعراء الذين آمنوا به و راهنوا عليه. حينما غنى الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد:
(نحن سجلنا التآلف .. في إنفعالات الأجنة)
كان أغلب الثوار الحاليين في رحم الغيب، إلا أن إيمان الشاعر بالشعب كان و سيظل لا شريك له"
"اكتبوا الشعر و سيصل إلى أهله يوماً ما"
قالها الشاعر الفلسطيني الأستاذ مريد البرغوثي رحمه الله متحدثاً عن قصيدته (الشهوات) و التي عبرت قارات و أزمنة لتكون دعوةً لأحد المواكب في العاصمة الخرطوم!
(شهوة لوجود النساء اللواتى يخفن قليلاً
ولكن يقفن طويلاً بجفن الردى وهو نائم
وطرحاتهن الغيوم واقدامهن الجنان
وفى روحهن الأساور والماس لا في المعاصم
يطرز اثوابهن العجاج الكريم
فيخدشن خوذة عصر الغزاة ويسقطن عصر الهوانم)
و يقول الشاعر الأستاذ أزهري أن حوجتنا للشعر ما زالت مستمرة، ضد الديكتاتوريات و الظلم، حثاً على قيم العدالة، و نبذاً للعنصرية و القبيلة و الجهوية و التمييز النوعي و العرقي.. و لابد للحركة الشعرية أن تواصل مسيرها رغم العواقب.
و كما قالها هاشم صديق و غناها وردي:
"وطنا البإسمك كتبنا ورطنا .. أحبك
أحبك مكانك صميم الفؤاد وباسمك أغني
تغني السواقي خيوط الطواقي
سلام التلاقي ودموع الفراق
وأحبك ملاذ وناسك عزاز
أحبك حقيقة وأحبك مجاز"
بقلم: أريج محمد
مصادر:
-الشاعر معد شيخون
-سهرة منع من النشر (أ/أزهري محمد علي و أ/القدال)
-لقاء أسماء في حياتنا مع الشاعر هاشم صديق
--من تاريخ الغناء و الموسيقى في السودان - معاوية حسن يس



تعليقات
إرسال تعليق