رحلة السقوط السينمائي: من السوبرمان إلى الـ Superhero Junkies
رحلة السقوط السينمائي:
من السوبرمان إلى الـ Superhero Junkies
هذه قراءة نقديّة، ورحلة مختزلة عبر أجيال سينما هوليوود، لنرى بأعيننا التحولات التي اعترت البطل الخارق من عمقه الفلسفي إلى سطحية تأثيره ورواجه السلعيّ المثير للجدل علينا كجمهور ومتلقّي.
بادئ ذي بدء، لا أحب الحديث عن مفاضلات الأجيال X,Y,Z وما قبلها.. لسبب بسيط:
خصائص كل جيل التي يتفاخر بها أو تميزه عن غيره لم تأتِ باختيارات واعية، بل فُرضت عليه بشكل أو آخر تبعاً لطبيعة الحقبةِ التي عاشها وتحدياتها التي وسمت أبناءها بخصائصها المميزة..
وهذا شيءٌ لا يدعو للفخر.
لكن جوهر موضوع المقال -كما سترون- ستتقاطع فيه الفلسفة والسينما وعلم النفس والمجتمع، وخصائص الأجيال والآلة الترويجية السينمائية وثقافة القطيع والتغريد خارج السرب والخارجون عن قانون النوع السينمائي.. كل ذلك بسياق واحد
فلتكن عيناك على الموضوع الرئيسي "تحول شخصية البطل الخارق" اتفقنا؟
(من أين بدأ السوبرمان؟)
من الملاحم التراثية القديمة بلا شك، خاصةً الميثولوجيا الإغريقية، حيث أبطالها أنصاف بشر أو Demigods لديهم علاقة دم مع آلهة الأوليمب (هذه كأس البطولة المقدسة)، وحيث كل بطل يصارع لإحقاق حق أو رفع كربة، لكن كل هبة لديها لعنة مساوية في المقدار ومعاكسة في الاتجاه.
وبالرغم من أسطرة تلك القصص المنافية للمنطق، إلا أنها أرست أعمدة الأمثولة كأبدع ما يكون منذ آلاف السنين. الملاحم والميثولوجيا الإغريقية خاصة، تدفع بأبطالها إلى قمة المجد في نفس الوقت الذي ترفعهم فيه لصليب المعاناة.
لا يوجد بطل لم يمر ببرزخ العذاب نتيجة لبطولته وتضحيته، بعد تحقيقه لهدفه، وهذا بالتحديد (جوهر المعاناة) هو الذي ظل خالصاً أبدياً في شخصية البطل الخارق، ليست هبته أو قوته الخاصة التي تجعله فوق الواقع، إنما استعداده للتضحية والمعاناة الوجودية في سبيل اختيار طريق البطولة الذي وظف نفسه في سبيل خلاصها.
إنه أكبر من الواقع لأن جوهر معاناته أكبر من استيعاب العادي
(من أنصاف البشر إلى الأوبامنش)
نترك التاريخ القديم، لنقفز أطول قفزة زمنية في المقال، حيث الاستهلال الحقيقي والفلسفي -من وجهة نظري- لفلسفة السوبرمان في العصر الحديث..
بطبيعة الحال نتحدث عن نيتشه، والذي كانت فلسفته منصبة بشكل جوهري على جوهر المعاناة ومعنى الإنسانية داخل معاناتها.
إرهاص نيتشه في الفلسفة كان سابقاً لعصره، كان يبشّر أو يحذّر من مغبة الانسياق الإنساني للسطحية التي تفرّغ من المعنى..
لذلك كان يبحث عن إبرة الحل داخل كومة قش المعاناة هذه:
"أن نحيا يعني أن نعاني، أن نبقى على قيد الحياة هو أن نجد معنىً لهذه المعاناة"
صمّم سوبرمانه في درته العجيبة هذه
في كتابه بشر نيتشه بالأوبامنش كحل حتمي للغباء البشري وإنقاذ مايمكن إنقاذه من الإنسانية:
"إن الذي يثير اشمئزازنا هو هذه الدودة الحقيرة، الإنسان الذي مابرح يتناسل..يمكننا التساؤل عما إذا كان هؤلاء المسافرون الجوابون قد شهدوا بطوافهم شيئًا يبعث على الكراهية والتقزز أكثر من وجه الإنسان".
ومن 1883م حيث نشر "هكذا تكلم زرادشت" يمكننا أن نقول أن عاصفة سقوط أحجار الدومينو باتجاه مفهوم البطل الخارق الحديث قد بدأت.
الحجر الثاني كان هو المخلخل للعالم الحديث، فهتلر كان من أهم المفسرين لنظرية السوبرمان على هواه، بل أنه سمى نفسه واحداً منهم، وكانت النتيجة كارثية كما تعرفون..
"ونريد الآن أن يعيش السوبرمان أو الإنسان الأعلى. إنني أبشركم بالإنسان الأعلى. يجب أن يأتي من الإنسان من يفوق الإنسان".
بهذه الداروينية الفلسفية أراد نيتشه عبر تمجيده للقوة أن يمهد لظهور سوبرمانه من خلال تسلح البشر بالقوة والصلابة والقسوة، وأن يبغضوا الضعف والدّعة والراحة والقناعة.
لم يعلم نيتشه أن العالم سيوغل في المعاناة وينتظر 55 سنة حتى يظهر السوبرمان كأيقونة (ليست للواقع بل للخيال الملحمي) وفي نفس مسار سقوط أحجار الدومينو الذي بدأ..المعاناة القصوى التي مرت بها البشرية تحققت أشراطها فعلاً ليتطور السوبرمان النيتشيّ، إلى السوبرمان الوحيد الذي نعرفه جيداً.
بسبب أزمة الكساد الأعظم أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبينما العالم يتهيأ للثانية، برز السوبرمان كمخلص جديد لا واقعي من فداحة المعاناة ورحم الواقع البور في مفارقة عجيبة، على يدي رساميْن من أصول مهاجري شرق أوروبا -ويا للمفارقة- كنتيجة للعصاب النازي الذي اكتسح أوروبا:
جيري سيغل وجو شوستر
المفارقة أن السوبرمان لم يكن تياراً واقعياً منقذاً، إنما شخصية خيالية ولدت بسبب معاناة الهوية والاستلاب الذي تسبب به تبشير نيتشه!
كانت نيويورك الثلاثينات غارقة باللاجئين اليهود الفارين من مذابح أوروبا في القرن التاسع عشر، ومن هؤلاء جاي سيغل وشوستر من كليفلاند ليحافظا على هويتهما.
السردية الاستهلالية لسوبرمان ومدى تشابهها مع قصة موسى لا يمكن أن يتجاهلها العقل، الشبه مروّع:
تضحية أم كل من البطلين، المهد، الوصول للضفة الأخرى، التربية على يد العدو المحتمل..
حتى اسمه الأصلي كال-إل العبرية الجرس والمعنى والتي تعني صوت الإله، يقابلها كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام.
ولينتظر العالم 40 عاماً أخرى من نشوء "صورة سوبرمان الكوميك" لتصل إلى السينما من أوسع أبوابها بنهاية السبعينات. هنا التقى الرافدان في مصب واحد: الفلسفة والصورة، وكل واحد دفع بدمه للآخر، وهنا أيضاً يمكن أن نقول أن نوع البطل الخارق السينمائي قد استحوذ عليه العقل الإنتاجي الهوليوودي.
الآن اربطوا الأحزمة..
ماعلينا من الأجيال.. ماعلينا من سردية البطل الملحمي.. ماعلينا من المدارس الفلسفية.. خلوا أعينكم على الشاشة الكبيرة، سنقفز اختزالاً عقداً بعد عقد لنرى كيف تحولت شخصية البطل الخارق بتحول ذهنية عالمها وتمايز مجتمعاتها ومحرك البحث عن التأثير الفلسفي على جمهور السينما.
(السبعينيات): بذرة الزمن/ المستقبل
السبعينيات كانت عز هوليوود من ناحية اجتراحها لطرق خطاب عصرية ومؤثرة وناجحة نقدياً وجماهيرياً. على مستوى الأبطال الخارقين كانت البطولة لأفلام الويسترن وجيمس بوند وستاروورز وغيرهم(أبناء عصورهم) والقدرة الخارقة في البقاء على قيد الحياة بحلول سحرية/هبلة
جاء سوبرمان السبعينيات بنقطة تفوق على زمنه، إنه الزمن نفسه. من أوائل أفلام الأبطال الخارقين الذي جعل البعد الزمني ضليعاً ومؤثراً في مثلث معاناته: (سوبرمان يغير حركة الكرة الأرضية ليوجد لنفسه فرصته الثانية بإعادة الزمن إلى الوراء)
ربما لذلك ترشح لثلاث أوسكارات لأن فلسفة القصة تختلف.
هل كانت المدن (الكوميك) تحتفظ بسياقها التاريخي السينمائي؟ هذه كانت معضلة أخلاقية لمحيط القصة الزمني.. بالطبع حافظ الاقتباس السينمائي على عوالم الكوميك كما هي دون معالجة درامية لميتروبوليس وغوثام وغيرهما..
لم يتطور الوعي الدرامي في المعالجة إلا في العقد القادم، خاصة في التعامل مع الزمن
(الثمانينيات: الشذوذ المكرّس للقاعدة)
الصناعة الهوليوودية "الترفيهية" كانت في أفضل حالاتها وتأثيرها، لذلك كات ملتزمة بالفرانشايز، أذكر أنني قرأت وقتها لناقد أمريكي: "أسوأ ما سيحدث في الألفية الجديدة هو الجزء الرابع عشر من رامبو!"، النكتة أن ذلك حدث بالفعل ولكن لسلسلة روكي :)
الثمانينيات كانت عز التعاطي السينمائي مع الحرب الباردة، والبطل الأمريكي إياه، والخروج بعباءات الانتصار المخرقة والتي لا تستر عريه الفاضح..
في الوقت نفسه كانت عز الخروج عن القاعدة في أفلام البطل الخارق ابتداءً بالتصور النقدي، يكفي فقط أن نمثل بالرائعتين Blade Runner-Terminator
نجحا في لف الأعناق إلى عوالم أخرى، طورت سردية المخلّص أو المهدي المنتظر في اتجاهات جديدة كلياً، ومتصلة بحاضرنا آنذاك.. سارة كونور هي البطلة الأم التي تقاتل في ظروف واقعها واقعاً أقرب ما يكون خيالاً، ستقاتل من أجل أن يظل ابنها المخلص على قيد الحياة، من خلال نجاتها هي كبطلة غير خارقة.
بينما ريك ديكارد يسعى في مهمة القضاء على أربعة مقلدين Replicans سرقوا سفينة فضائية للأرض للعثور على صانعهم، ليبحث ديكارد عن ذاته هو..
هاتان الرائعتان غيرتا المنظور من البحث عن معضلة البطل الخارق إلى البحث في الجسر بين عالمين، وسوداوية المستقبل..
بدونهما لم يكن للتسعينيات أن تكون أفضل!
(التسعينيات: البحث عن اللابطل الخارق)
لنصل إلى واحدة من أزهى عصور هوليوود على مستوى النص والتصور والمعنى، وتعاطيها الواقعي مع متطلبات عصرهم المتسارع..
كان أهم ما فعلته التسعينيات هو تحطيم أسطورة البطل الخارق التي طالما دغدغت بها هوليوود جمهورها والإعلام الأمريكي المخدر، بطولة حقة!
تساقطت أصنام الأبطال الخارقين تباعاً، وبدا التركيز منصباً على إنسان المعاناة نفسه الذي يوفي بشرطه الوجودي بعالم لايعرف مداه إلى أين، لكنه يناضل حتى الرمق الأخير (هذه هي البطولة الخارقة التي أعادوا صياغتها للجندي/ للطالب/للعاديّ/ للبطل التاريخي)
وإعادة قراءة البطل الخارق من ذات الرؤية
التسعينيات حافظت على لياقتها الفائقة هذه حتى لحظاتها الأخيرة، أعادت تعريف البطل "اللا خارق" وتحديد معالم جيلنا في عاميها الأخيرين فحسب مالم تستطع عليه عقود سينمائية بأكملها..
حيث غدا البطل الخارق دون أدنى فكرة عن كونه بطلاً خارقاً، إنما هو مشغول في إنجاح علاقاته الوجودية التي تشعره بالفشل.
سأكتفي بثلاثة أمثال خارقة لهذه الفلسفة، وكل واحد منها يحتاج إلى مقال:
- Unbreakable
- Fight Club
- The Matrix
في رائعة شاميلان، أعاد نشوء البطل الخارق إلى مبدئه بمقاربة نادرة ورائعة جداً. بينما كان داوود Fight Club في معركة وجودية مع جالوت عصره، كواحدة من أعظم الشهادات على العصر قاطبة.
بينما أوغل الماتريكس في شخصية "اللابطل الخارق" من مقاربة بديعة، ذكرنا الأبطال الإغريق من مآلٍ وجودي في التضحية بعذاب وعيهم بعد تحقيق الهدف البطولي.
فلسفة الماتريكس بدأت المحنة من أولها: من بداية الاختيار، من الخطوة الأولى التي نراوح فيها أحياناً عمراً بأكمله.
كل الأفلام الثلاثة تجيب على السؤال الفلسفي"أين ذهب الأبطال الخارقون؟" بإشارة أصبع الاتهام الوحيد إلى عصرنا الذي كان مغرقاً في الأحلام وهو ينسج قيود عبوديته علينا دون أن نشعر. الأفلام الثلاثة كل واحد منها بمثابة بطل خارق في مقابل عصرنا البغيض..
لنصبح شوكة في خاصرته حتى نعرف من نحن!.
على عظمة التسعينيات، إلا أنها كذلك كانت أولى حركات الدومينو التي أسقطت كارثة مارفيل على رؤوسنا اليوم. عام 1994 كانت أول محاولات التغلغل المارفيلي إلى رحم هوليوود العقيم..
هنا بدأ (ستان لي) المتراوح عندي من التي-ريكس لابن عرس جيئة وذهاباً، أول أفلامه Fantastic four وسحب عليهم بدون رحمة.
جابه داء هوليوود بدوائه، أن يكون مراوغاً مطاطياً قدر الممكن، وقد نجح بعد أن خذل فرق Fantastic four-1994 في أن يعيد إطلاق المشروع في 2004 وما بينهما كانت هناك بعض المحاولات المارفيلية الجيدة كثلاثية Blade وسط تعثر جماهيري ونقدي لباقي المشاريع..
لكن أشهد لعزيمته الهائلة رغم كل شيء!
(العقد الأول من الألفية): تتمّات.. تتمّات
الآن وضعنا أولى أقدامنا بعهد الخواء الهوليوودي، لا يعني ذلك عدم وجود محاولات، لكن الفرانشايز وتطور صناعة المؤثرات البصرية كوّشا على كل شيء.
استكملنا بعضاً من أهم أفلام التسعينيات (وإن لم تكن تتماتها كاستهلالها)، وظهرت أفلام جيدة لأبطال لا خارقين.
إلا أن جوهرة تاج هذا العقد الخائب، ثلاثية نولان/ باتمان، التي أعادت وهجاً قديماً من السحر الواقعي. نجح نولان فيما لم يستطع صانع أفلام له صبراً: أن يهدم القصة ويعيد بناءها بناءً على شرطها العصري الواقعي لعالم مابعد الحداثة، وعبر ذلك أعاد بناء شخصيات باتمان وعلاقاتها والعقد الاجتماعي الحديث.
(العقد الثاني من الألفية):
إخراج اللسان لمجرة Marvel/DC يمكن أن يكسبك الأوسكار!
بعد أن أصبحت هوليوود عبارة عن عمّال سخرة لعوالم دي.سي ومارفيل، لم يعد ما يقال حقيقةً. كنت على وشك القول أن المبدعين الخُلّص قد رفعوا راية استسلامهم أمام هذا الاستعمار الفظيع، لكنهم عودونا على المقاومة..
ثمة صناع أفلام حاولوا أن يعيدوا البوصلة للقيء الهوليوودي/المارفلي المتواصل، وأن يحدثوا فارقاً من داخل هذا الاكتساح على مستوى النص وإعادة القراءة..
وهم لا يمثلون 25% لكن زخمهم في اتجاه الأجود معالمه واضحة، واستطاعوا أن يوجدوا الفارق لنعود لعصر إعادة قراءة البطل الخارق في عالمه الأخرق.
صناع الأفلام المغردين خارج السرب، أفضل ما فعلوه هو إعادة توجيه الخطاب للجيل الاستهلاكي الجديد، داخل صناعة هوليوود التي حولتنا لأصفار استهلاكية هشة بدون أي engaging بعد تفريغ أغلب أبطالهم من جوهر معاناة العاقبة/ المعاناة/ التمصير.
لا ننسى: هناك أفلام منها وصلت للأوسكار بسيناريوهاتها.
أهم إسهام حول الأنظار إلى سمة عقدنا الهوليوودي الحالي هو فيلم Birdman والذي وضع الملح الساخر على الجرح..
النكتة أن نهاية الفيلم المعروفة هي نهاية بديلة، النهاية المكتوبة أصلاً كانت لتسلل الكاميرا لغرفة خلفية أخرى يجلس فيها جوني ديب أمام المرآة وخلفه بوستر PotC وهو يستمع لجاك سبارو :)
لحسن الحظ أن ترتيبات إنتاجية متعثرة كانت السبب في عدم إنفاذ المشهد، فكان المشهد البديل الذي أعتبره فخماً وأكثر أصالةً..
وهذا يعيدنا لأول المقالة : الأصالة. كل ما يبحث عنه مشاهد السينما تجربة أصيلة تغير له معالم واقعه لا تسجنه فيها، شيء ممتلئ يحمله المشاهد مع علبة الفشار والصودا الفارغة.



تعليقات
إرسال تعليق