حقيبة الفن السوداني.. الحقيبة التي اتسعت لأجيال



 عن الحقيبة التي اتسعت لأجيال..


"الكنار صاح والغصون مالت

والرياح صنت عقب شالت

العقود فوق الصدور جالت

والعيون زي السيوف صالت.."


مدخل:

في عام 1953 كان يعمل المذيع و الدبلوماسي صلاح أحمد محمد صالح في الإذاعة البريطانية، و طُلب منه تقديم برنامج عن الأغنية السودانية لمدة 45 دقيقة بسبب تفاعل السودانيين و إرسالهم جوابات للإذاعة البريطانية لإطالة أمد البرنامج و الذي كان يقدم كل أربعاء بواسطة مذيع مختلف لمدة 15 دقيقة فقط لأغنيات قطر من أقطار الوطن العربي.


 فأراد أن يقدم أغنية "عزة في هواك" لكونها أغنية فارقة في تاريخ الفن السوداني، و لكن تعذر العثور على تسجيل يصلح للإذاعة رغم البحث المضني.


و بسبب ذلك تم تأجيل البرنامج  إلى أن اهتدى أخيراً لصناعة تسجيلٍ جديدٍ للأغنية، و الذي صدح فيه الأستاذ خليفة خوجلي، و لعب فيه صلاح أحمد و الطيب صالح دور الشيالين.


فكانت أغنية (عزة في هواك) سبباً في التخوّف من ضياع التراث الغنائي السوداني بكامل بهائه بسبب عدم التوثيق و الحفظ. و عند عودته إلى السودان أراد صلاح أحمد توثيق الفن السوداني و إعادة تقديمه للمستمع فجاء برنامجه (من حقيبة الفن) عبر إذاعة أمدرمان.

و الذي استفاد فيه من الأستاذ الطاهر حمدنا الله و جريدة (أنا أمدرمان) التي تصدر عن الإذاعة للتبين من كلمات الأغاني التي شارفت على الاندثار حينها.


قال صلاح أحمد محمد صالح:
"كانت هناك حقيبة سوداء فى قسم الأخبار في الإذاعة، و كان مقره آنذاك فى الخرطوم، بينما كانت الأستوديوهات في أمدرمان. تذكرت أن تلك الحقيبة كانت تحدث صوتاً عند فتحها، و لم يكن لنا قبل آنذاك بالمؤثرات الصوتية"

و كان صلاح يفتح حقيبة قسم الأخبار بعد المقدمة مباشرةً و يعمد إلى إغلاقها عند الختام مصدراً صوتاً يصل قلب الجمهور و يحفظ عهداً فنياً صمدت ألحانه حتى الآن.


كان البرنامج يقدم كل يوم سبت من كل أسبوع و بث للمرة الأولى حياً و على الهواء مباشرةً لمدة ساعة كاملة مساء السبت 18 نوفمبر 1954 
من أولى الكلمات التى قالها صلاح فى الحلقة الأولى من برنامجه " اليوم انفض الغبار عن تراث الأغنية السودانية".


وقد أتفق النقاد على أن أغاني الحقيبة تبدأ بتلك النقلة التي أحدثها الحاج محمد أحمد سرور عام 1920 م عندما استغني عن الطنابرة واعتمد على الكورس ثم أدخل آلة الرق والمثلث، وتنتهي بالنقلة للغناء الحديث بمصاحبة الفرق الموسيقية التي أدخلها الفنان العبقري ابراهيم الكاشف في مطلع الأربعينات ولذلك فإنها تعرف بأغنية مابين الحربين العالميتين الأولى والثانية.


جدير بالذكر أن اسم حقيبة الفن ليس تصنيفاً لأغاني تلك الحقبة ولكنه اسم خطر على بال مبتدعه الأستاذ صلاح أحمد محمد صالح، أما التصنيف العلمي والفني لأغاني تلك الفترة هو ( المدرسة الفنية الأولى) كما يقول بروفيسور الفاتح طاهر في كتابه ( أنا امدرمان، تاريخ الموسيقى في السودان)


أثناء وبعد ثورة 1924 ظهر شعراء جددوا في كلمات الأغاني و تمت تسميتهم في ما بعد بشعراء الحقيبة، و أشهرهم:


-الشاعر والفنان والملحن خليل فرح

-الشاعر ابراهيم العبادي 

-الشاعر صالح عبد السيد ابو صلاح

-الشاعر سيد عبد العزيز 

-الشاعر عبيد عبدالرحمن

- الشاعر والملحن عبد الرحمن الريح 

-الشاعر والمغني والملحن عمر البنا

-الشاعر احمد عبد الرحيم العمرابي

- الشاعر علي المساح

- الشاعر احمد حسين العمرابي

- الشاعر محمد بشير عتيق

- الشاعر محمد علي عبد الله

-الشاعر احمد عبد المطلب حدباي

-الشاعر محمد ود الرضي


وفي القرن العشرين بدأت أمدرمان تلعب دوراً مهماً في تاريخ الغناء السودانى؛ فظهر مطربون جدد منهم النساء؛ و ذلك لما كان للمرأة السودانية من مكانة و استقلالية، حيث دخلت أسماء بعض المغنيات سجلات التاريخ مثل قطاعة الخشوم و مستورة بت عرضو و شريفة بت بلال.


وبالطبع فإن أغاني الحقيبة لا تمثل بداية الغناء في السودان ومن قبلها كانت أغاني السيرات والدوبيت والحداء وأغاني التراث كالمناحات والحماسة وأهازيج العمل الجماعي والحصاد وأغاني المهد للأطفال ونغمات المديح وإنشاد الذكر وإيقاعات الطار والدلوكة والنوبة.

إن تداخل الأنماط المختلفة من شرق، شمال، غرب و جنوب السودان، مع كل ما سبق عمل على إثراء الفن السوداني و تنوعه.. و أفضى إلى أغاني الحقيبة و التي اعتمدت على النص الشعري و اللحن الدائري بين المغني و الكورس دون آلات موسيقية سوى الآلات الايقاعية كالرق و المثلث.


امتازت كلمات أغاني الحقيبة بعذوبتها و قُربها من القلب؛ حيث نُظمت معظم أشعارها عن مواقف شخصية جمعت الشعراء بحسناوات أو قضايا وطنية. و شكل الغزل و الأشعار الوطنية الجزء الأكبر من المواضيع الأكثر تناولاً في أغاني الحقيبة.

فانسابت برهفٍ من أيدي الشعراء إلى أنامل الملحنين لتمس وجدان المستمع السوداني.


و مؤخراً صدرت عدة مؤلفات عن بعض السيدات التي نُظمت فيهن تلك الأشعار العذبة. مثل (ملهمات: بحث في مصادر الأغنية العاطفية السودانية).


و رغم مرور كل هذه السنوات إلا أن أغاني الحقيبة لم تبرح وجدان السودانيين، حيث ما زالت حتى الآن تُعتبر خط البداية لإنطلاق المواهب الجديدة، كما تُغنى في قعدات العود، و جلسات شارع النيل و حفلات الزفاف.. بل و يقوم بعض الفنانين الشباب بإعادة إصدارها بألحان مختلفة و آلات موسيقية جديدة على خطى برنامج "من حقيبة الفن".


إن التراث الفني السوداني ثري و متنوع، بحجم التنوع الذي ننعم به، إلا أن آفته كانت و ما تزال الحفظ و التوثيق.


"فلنهدي الحبيبة أغاني الحقيبة و سقوط النظام"


بقلم :أريج محمد 


المراجع:

-من تاريخ الغناء و الموسيقى في السودان - معاوية حسن يس

-الموسيقى السودانية -جمعة جابر

-صلاح أحمد، عبقرية حقيبة الفن -د.حسن أبشر الطيب

-لمحات تاريخية عن الموسيقى والغناء في السودان -د.الفاتح حسين

-أنا امدرمان، تاريخ الموسيقى في السودان. بروفيسور الفاتح طاهر

-برنامج أسماء في حياتنا مع الأستاذ صلاح أحمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة