"إضراب! إضراب!" الشرارةُ التي شكّلت أول نقابةٍ في السودان
ملحمة نقابة عمال السكة حديد
في البدء يجب أن نشير إلى أن أحداثًا عدة سبقت الأحداث التي سنستعرضها كما حدثت أخرى في الأثناء، و لا يتسع المجال هنا لاستعراضها كلها، ولكن يبقى يقيناََ لدينا أنه قد حدث تراكم في عدة جهاتٍ قاد في النهاية لخلق الحركة العمالية بصورتها الناضجة.
كانت بداية الأحداث المبكّرة عندما تعرّض العامل (عبد الرحيم الدابي) لإصابة بالغة أثناء عمله ولم يجد العمال الذين هرعوا لإنقاذه عربة تنقله للمستشفى، ولا يوجد طبيب بالقرب من مكان الحادثة، وبعد مدة ظهرت سيارة حملت المصاب ولكنه توفّيَ قبل الوصول إلى المستشفى.
شكّل الحدث ضربة أليمة للعمال وبلغ الحزن بهم مبلغًا، ليس فقط لفقد زميلهم، ولكن أيضًا لإحساسهم بالظلم والإهمال من قبل الإدارة التي لم توفر أدنى امكانيات السلامة للعمال، كما أنهم أحسوا بالفرق بينهم وبين موظفي الإدارة، والذين لم يكلفوا أنفسهم حتى بمجرد أداء واجب العزاء والتشييع.
بدأ العمال يتكلمون عمّا حدث، وظهرت عدة أفكار لتعبر عن احتجاجهم وسخطهم، واتفق العمال على رفع شكوى للمدير، وكونوا لجنة من 13 عاملاً بواقع عامل عن كل قسم من أقسام السكة حديد لتمثلهم أمام الإدارة، وهذه اللجنة اصبحت تُسمّى فيما بعد (هيئة شؤون العمال) وانتخبت اللجنة سليمان موسى رئيسا لها.
تحت ضغطٍ من العمال شكلت الإدارة لجنةً للتحقيق في الحادثة، وكانت في هذه الأثناء تُراقب الوضع بحذر دون الإقدام على أي خطة، ثمّ جاء قرار اللجنة: "المرحوم غلطان" وتم تصديق مبلغ 20 جنيهًا كتعويض لأسرة المتوفى. قابَل العُمّال هذا القرار بالرفض قولاً واحدًا، فيما التزمت الهيئة التي تمثّلهم الصمت، الأمر الذي لم يرق للعمال الذين سخروا من هذا الصمت وأطلقوا على الهيئة اسم "هيئة شؤون الألعاب" وكتبوا هذه العبارة على جُدران الورش بالخط العريض.
مرّت أعوام على الحادثة وفي السابع عشر من أكتوبر للعام ١٩٤٦ أصدر مدير الورش منشورًا لتكوين لجان تمثيلية مكوّنة من لجان مشتركة بين العمال والإدارة. في ذات الأثناء كانت الإدارة تحاول منع اجتماعات هيئة شؤون العمال، والتي تُعقدُ في دار الخريجين وبصورة قانونية مما حال دون قدرة الإدارة على منع الاجتماعات، ورفض العمال المنشور رفضًا قاطعًا، رغم محاولات الإدارة لإقناعهم إلا أنّهم تمسكوا بهيئة شؤون العمال كممثلهم الشرعي الوحيد.
جاء بعد ذلك مشروع مقترح من المستر وود مساعد مدير الورش استطاع ان يقنع به هيئة شؤون العمال، ولكن العمال قد رفضوا المشروع الجديد كذلك، والذي كان يهدف إلى احتواء الادارة للحركة العمالية وجعلها تحت سيطرتها وهذا ما لم يقبله العمال. مما أجبر الهيئة على التراجع عن الموافقة على المشروع.
اتفق العمال على الخروح في موكبٍ موحد وجهته هي مكتب المدير العام للسكة حديد في يوم السبت، الثاني عشر من يوليو للعام ١٩٤٧، لتقابل الهيئة المدير العام مصحوبة بعرائض تفويض من العمال. حاولت الحكومة الاستعمارية منع قيام الموكب بعدة طرق وفشلت ، وفي تمام الساعة الثانية والنصف عند انطلاق صافرة الورش مُعلنةً عن نهاية يوم العمل كانت في ذلك اليوم إعلانًا عن بداية عهدٍ نضاليّ جديد، يسعى إلى تغيير الواقع كليّا، ويطمح نحو انتزاع الحقوق المسلوبة، في هذه اللحظة العظيمة خرج العمال بهاماتهم الشامخة وبانضباطهم العالي وفي هدوء تام، وبصورة مباشرة وبدأوا بتشكل صفوف ومن ثمّ تحرك موكبهم العظيم. في مقدمة الموكب كانت هيئة شؤون العمال تحمل عرائض التأييد من عمال الأقسام المختلفة، تقدم الموكب دون أيّ صوت أو هتاف، في بداية الشارع الذي يقع فيه مكتب المدير العام كان البوليس حاضرًا بعتاد من العصي والدرقات والبنادق، تقدّم مستر هيق مفتش مركز أتبرا حينها وخيّر العمال بين أن يرسلوا عرائضهم بالبوستة، أو تسليمها إياه ليسلمها بدوره إلى المدير العام، والخيار الأخير أن ينتخبوا ثلاثة عمال لمقابلة المدير العام، ولكنّ العمال رفضوا الخيارات الثلاثة في حزمٍ تام وأصروا على مقابلة المدير.
في هذه الأثناء كان الموظفون يقفون مشدوهي الأفواه من عظمة المشهد الذي لم يشهدوا مثله، وظلوا واقفين يتفرجون في صمت، كان عساكر الشرطة يقفون في تحفز لقمع العمال، وفي مقدمتهم المستر ماكي قمومندان البوليس ومعه عدد من الضباط، وكانت النظرات المتبادلة تتطاير ناراََ، مالَ مستر ماكي على مستر هيق وسأله:
(What do you see )
فرد عليه:
( Do your work )
عاد ماكي إلى جنوده، حمل عصاه ودرقته ومن ثمّ أطلق صافرة الهجوم ورفع عصاه، وبمجرد أن لامست صدر سليمان موسى وقبل أن ينزلها كان طريحًا في الأرض بعد أن انقضّ عليه العامل البطل عبد القادر سالم، تصدى العمّال بثبات لهجوم البوليس باستخدام الطوب وبمبادرة من العامل يوسف عيسى والذي كان كلما أصاب الهدف يصرخ قائلاً أمك ود "البقوس".
قام العمال بسحب أعضاء الهيئة وبقوا في مواقعهم في ثباتٍ أسطوري وأصيب 4 من البوليس حملة البنادق. من المشاهد الطريفة أن عاملاً حمل عسكريًا ودخل به وسط العمال، فكسروا عصاه وخوذته و تركوه ليفر هاربًا، أنهك رجال البوليس تمامًا رغم تفوقهم في العتاد، وانسحبوا للاحتماء بحملة البنادق الذين بدأوا في الاستعداد بأمرٍ من مستر هيق، انسحب العمال خلف الأشجار وهم يضحكون على العساكر، توقف الرصاص وعاد العساكر للعصيّ وعاد العمال للطوب، إلى أن قام العامل عبد الله بشير بالقفز على ظهر زميله حامد نورين وهو يصيح "إضراب ..إضراب!" كانت الكلمة ذات وقع ساحر وأخّاذ؟ وكان بمثابة إعلان انتصارٍ للعمال في المعركة التي استمرّت لأكثر من ساعة... هذا الحدث كان الشرارة التي شكّلت أوّل نقابة في السودان.
بقلم : حسن قاسم
المصدر:
كتاب تاريخ عمال السكة حديد والحركة النقابية في السودان، محمد علي بشير، ١٩٠٦ - ١٩٦١



تعليقات
إرسال تعليق